أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

309

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

منصوب على الظرف الزماني ، ويكون متصرفا وغير متصرف ، فالمتصرف : ما لم يرد به وقته من يوم بعينه ، نحو : ضحاك ضحى مبارك ، فإن قلت أتيتك يوم الجمعة ضحى فهذا لا يتصرف ، بل يلزم النصب على الظرفية . وهذه العبارة أحسن من عبارة الشيخ « 1 » ، حيث قال : « ظرف متصرف إذا كان نكرة ، وغير متصرف إذا كان من يوم بعينه » . لأنه يوهم متى كان معرفة بأي نوع كان من أنواع التعريف فإنه لا يتصرف ، وليس الأمر كذلك ، قال تعالى : وَالضُّحى فاستعمله مجرورا بالقسم مع أنه معرفة بأل ، وقال تعالى : وَالشَّمْسِ وَضُحاها « 2 » ، جرّه بحرف القسم أيضا مع أنه تعرف بالإضافة وهو امتداد الشمس وامتداد النهار . ويقال : « ضُحًى » و « ضحاء » إذا ضممت قصرت ، وإذا فتحت مددت . وقال بعضهم : « الضّحى ، بالضم والقصر : لأول ارتفاع الشمس ، والضّحاء ، بالفتح والمد ، لقوة ارتفاعها قبل الزوال » . و « الضّحى » مؤنث ، وشذوا في تصغيره على « ضحيّ » بدون تاء ، ك « عريب » وأخواتها . والضّحاء - أيضا - : طعام الضّحى ، كالغداء : طعام وقت الغدوة ، يقال منهما : تضحّى ضحاء ، وتغدّى غداء . وضحي يضحى : إذا برز للشمس وقت الضّحى ، ثم عبر به عن إصابة الشمس مطلقا ، ومنه قوله : وَلا تَضْحى « 3 » ، أي : لا تبرز للشمس ويقال : ليلة أضحيانة ، بضم الهمزة ، وضحياء ، بالمد ، أي : مضيئة إضاءة الضّحى . والأضحية ، وجمعها : أضاحي ، والضّحيّة ، وجمعها : ضحايا ، والأضحاة ، وجمعها : أضحى : هي المذبوح يوم النحر ، سميت بذلك لذبحها ذلك الوقت ، لقوله عليه الصلاة والسّلام : « من ذبح قبل صلاتنا هذه فليعد » « 4 » . وضواحي الشيء : نواحيه البارزة . قوله : وَهُمْ يَلْعَبُونَ حال ، وهذا يقوي أن « بَياتاً » ظرف ، لا حال ، لتتطابق الجملتين ، ليصير في كل منهما وقت وحال ، وأتى بالحال الأولى متضمنة لاسم فاعل ، لأنه يدل على ثبات واستقرار ، وهو مناسب للنوم . وبالثانية متضمنة لفعل ، لأنه يدل على التجدد والحدوث ، وهو مناسب للعب والهزل . وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير « أو » بسكون الواو ، والباقون بفتحها . ففي القراءة الأولى تكون « أَ وَ » بجملتها حرف عطف ، ومعناها حينئذ التقسيم . وزعم بعضهم أنها للإباحة والتخيير ، وليس بظاهر . وفي الثانية هي واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام مقدمة عليها لفظا ، وإن كانت بعدها تقديرا عند الجمهور ، وقد عرف مذهب الزمخشري في ذلك . ومعنى الاستفهام هنا التوبيخ والتقريع . وقال بعضهم : إنه بمعنى النفي ، كأبي شامة ، وغيره . وكررت الجملة في قوله : أَ وَأَمِنَ أَهْلُ ، « أَ فَأَمِنُوا » توكيدا لذلك ، وأتى في الجملة الثانية ، بالاسم ظاهرا ، وحقه أن يضمر مبالغة في التوكيد . ومعنى « مَكْرَ اللَّهِ » : أي : إضافة المخلوق إلى الخالق ، كقولهم : ناقة اللّه ، وبيت اللّه ، والمراد به فعل يعاقب به الكفرة ، وأضيف إلى « اللَّهِ » لما كان عقوبة الذنب ، فإن العرب تسمي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة ، وهذا نص في قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ، قاله ابن عطية . قلت : وهو تأويل حسن ، وقد تقدم لك في قوله : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » أنه من باب المقابلة أيضا . والفاء في قوله : « فَلا يَأْمَنُ » للتنبيه على أن العذاب يعقب أمن مكر اللّه . قوله : أَ وَلَمْ يَهْدِ . قرأ الجمهور « يَهْدِ » بالياء من تحت ، وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 342 ) . ( 2 ) سورة الشمس ، آية ( 1 ) . ( 3 ) سورة طه ، آية ( 119 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 10 / 3 ) ، كتاب الأضاحي ( 5546 ) ، ومسلم ( 3 / 1552 ) ، كتاب الأضاحي ( 4 / 1961 ) .